أوراق العذراء «صحيفة الوسط» تكشف النقاب عن أحدث حكاية لـ«مجيد طوبيا»
أوراق العذراء «صحيفة الوسط» تكشف النقاب عن أحدث حكاية لـ«مجيد طوبيا»

أوراق العذراء «صحيفة الوسط» تكشف النقاب عن أحدث حكاية لـ«مجيد طوبيا»

حسبما ذكر الدستور ينقل لكم موقع صحيفة الوسط محتوي خبر أوراق العذراء «صحيفة الوسط» تكشف النقاب عن أحدث حكاية لـ«مجيد طوبيا» .

صحيفة الوسط - هذا «صانع نجوم» دخل فى «تغريبة» فى زمن صعد فيه «الهؤلاء».
طالت «تغريبة مجيد طوبيا» بأكثر مما يحتمل شاب عاش «مغامرات عجيبة» فبحث عن «التاريخ العميق للحمير»!
يجلس مجيد طوبيا فى منزله الآن لا ينتظر إلا الموت!
تجاهله الجميع للدرجة التى شعر معها بأن حياته مجرد «خيبة كبيرة» فلم يصعد هو إلى القمر كما أراد! لِمَ لا وقد صار رفاقه ملء السمع والبصر وهو وحيد لا يكلم أحدًا ولا يتحدث إليه أحد.

هنا فى «صحيفة الوسط» قررنا أن نقترب من هذا الرجل وقد فوجئنا بأنه لا يزال حيًا! قصة هذه الأوراق «أوراق العذراء» تعود إلى عام ١٩٦٨ حين أنطلق مجيد طوبيا فى كتابة روايته الأخيرة التى لم يفرغ منها إلا مؤخرًا وقد أرسلها إلى الهيئة العامة للكتاب غير أنها لم تر النور.

«صحيفة الوسط» تكشف النقاب عن - بدءًا من الأن - وعلى مدار حلقات حكاية «أوراق العذراء» لأديبنا الكبير مجيد طوبيا.

منيرة كامل تفض بكارتى!
كنت منصرفًا من باب الجريدة، مستاء عندما قابلتها قادمة.. رأتنى فاندفعت نحوى مرحبة، ووضعت كفها فى كفى، ثم شبّت إلى أعلى لتقترب عيناها من عينى.
جفلتٌ للحظات، وقد خُيل لى أنها كانت على وشك أن تقبلنى.. خطـــّر لى أن محاولة تقبيل هذه الفتاة لن تجد ممانعة تُذكر.
كانت ابتسامتها عريضة الترحيب.. غسلتنى من كل الضيق الذى كان يملؤنى.
تخللت نظراتها عدستى نظارتى الطبية لتستقر فى عينى.. تفحصتنى كأننى حبيب لها عائد من غربة سنوات.. ملأت الدماء شرايين رأسى، فأحسستُ بدوّار خفيف زاد مع ضغطة كفّها لكفّى.
- هل كنت منصرفًا؟
- نعم انتظرتك قرابة الساعة.
ردّت تحية أحد الشباب، ثم تسلمت من عامل الاستقبال بعض الخطابات المُعنونة باسمها.. أخذت تفتحها أثناء صعودنا الدرج.. ذكرت وهى تفتح الأول:
- فى مصر لا تُصمم على دقة المواعيد وإلاّ تعبتُ كثيرًا.. قرأت الفصل الأول من روايتك، لماذا ملأتها بكل هذا الحزن؟ وبهذا الكم الهائل من السواد ولابسات الحداد؟
قرأت التوقيع فى نهاية الخطاب.. ثم بدأت تفض الثانى.
- مع أن عينيك مليئتان رقة.
ابتسمت.. استطردت:
- لا أرى بهما ما يوحى بالأحزان.
- هل كان الخط واضحـًا؟.
- خطّك ردىء الشكل.. لكنه محدد الحروف.
أثناء سيرنا فى الممــر.. كانت قد فضّت كل الخطابات ولم تقرأ إلا توقيعاتها فقط دون أن تتصفح واحدًا.. قبل انحرافنا إلى الممر التالى، ألقت بها إلى سلة المهملات الموضوعة فى الركن.
تابعت سيرها وهى ترد تحيات الزملاء بابتسامة واسعة.. وداعبت أحدهم قائلة:
- صباح الخير يا ولد يا حسين.
ثم داعبت آخرين بكلمات مبتذلة أدهشنى أنها تصدُر عن امرأة.. وعن «منيرة كامل» التى أغرمت بكتاباتها.. وسألتها:
- هل كل المشاهير يفعلون ذلك؟!
«صدّر عنها ذاك الصوت القصير الهازئ».. فرأيتها امرأة مستهترة متنافرة الملامح.. وفكرت أننى سوف أستعيد روايتى منها وأنصرف دون رجعة.. فاجأتنى قائلة:
- من أين لك كل هذا الطول؟
- من أبى لكنى لستُ طويلا جدًا.
- أنا القُصيّرة.
سبقنا الفرّاش الى مكتبها وفتح باب غرفتها ثم نُشُور النافذة.. واتجهت هى إلى مكتبها وأجلستنى بجوارها.. أمرت الساعى الواقف عند الباب أن يحضر لها قهوتها وأن يحضر لى عصير الليمون.. ضايقنى أنها لم تأخذ رأيى.
جلستُ صامتًا بينما انهمكت فى أعمال خاصة بالمجلة بوصفها مديرة التحرير..وبعد وقت يبدو أنها شعرت بوجودى.. وقدمت لى بعض مجلات بيروت المليئة بصور البنات العاريات.
- سـرّى عن نفسك حتى يحين دورك؟.
هكذا يفعلون فى محلات الحلاقة.. رُحتُ أتفحص المجلات بسرعة..
رُحتُ أتأملها من حين لآخر.. وأتذكر أسلوبها الرشيق. لو تصرفت فى رزانة وهى بهذه النظارة الطبية مع زملائها لقلت إنها مُفكرة عظيمة تحمل هموم البشر فوق كتفيها. وفشلت فى تقدير عمرها.. قد تكون بين الثلاثين والأربعين.
خلعت نظارتها وابتسمت لى بابتسامتها ذات الغمازتين.. فقلت لا يزيد عمرها على الثلاثين.
ذكرت بصوت رقيق:
- الآن.. أنا.. لك.. لم تحدثنى عن كل هذا الحزن فى روايتك؟، هل أنت مرتبط بمواعيد مساء الغد؟.
- لست مرتبطًا بشىء فى مصر.. وأمضى كل وقتى فى الفرجة على الأفلام فى دور العرض الرخيصة، أستطيع أن أشاهد فى الأن الواحد خمسة أفلام!
- هذا إدمـان!
- ممكن.
- إدمان السينما هروب من الواقع.
- خير من أمور أخرى.
- كيف تابع؟!.
«كان على مكتبها صورة لكاهن بوذى جالسًا متربعًا على الأرض والنار ممسكة بكل جسده»
ذكرت: إنه يحتج ضد الولايات المتحدة الأمريكية بسبب حربها فى هانوي.
- بوذى يحرق نفسـه!
- هل سمعت عن وَاقِعة ظهور العذراء فى الزيتون؟
- قرأت عن ذلك فى صحف صحيفة الوسط السابق.
- سأذهب إلى هناك مساء الغد.. سأجرى تحقيقًا صحفيًا عن ذلك للمجلة.. أتحب أن تأتى معى؟
- أحب.
- هذا حدث يجب ألا يفوت كاتب مثلك.
أعطتنى رقم تليفون منزلها.. كلمنى فى صحيفة الوسط لنتفق على موعد وكيفية اللقاء.

بعد أن انتهيت من كتابة روايتى وفكرت فى نشرها.. خطر على بالى صديق الدراسة «جمعة عبدالغفور» الذى يعمل حاليًا صحفيًا زميلًا لـ«منيرة كامل».. حضرت إلى مصر وقابلته.. فأخذنى بالأحضان.. وسألنى عن الماضى والحاضر.. ما حدث وما يحدث فى بلدتنا.. وتعمد أن يحشر فى حديثة كلما جاء اسم إحدى الشخصيات الهامة فى البلد عبارة «وهو صديقى».. كان يقول: «قابلت وزير الصناعة منذ يومين- وهو صديقى- التقيت فى حفل ساهر مع أعظم مطربات الشرق- وهى صاحبتى- طلبت تليفون منزلى.. قائلة: حتى أدعوك فى حفلاتى القادمة.
ثم كنت أعرف فيه سعة الخيال وأحلام اليقظة وقلت له بصوت مرتبك:
- لقد انتهيت من كتابة روايتى الأولى.
ضحك طويلًا.. لكنه عندما لمح فى وجهى علامات الغضب.. إِجْتِياز ضحكته.. ثم أخذنى الى الأستاذة «منيرة» قائلًا: إن نشر القصص من اختصاصها.. وطلب منها أن تقرأ الرواية قائلًا عنى بطريقته المعتادة.
- هذا كاتب مبدع.. أعرف موهبته منذ كنا فى التعليم الثانوى.
ذكرت إنها لم تسمع عنى، لكنها أخذت الرواية وأعطتنى موعدًا بعد ثلاثة أيام.
مررت عليها.. فتذكرتنى بصعوبة.. واعتذرت بأنها لم تقرأ حرفًا واحدًا لشدة انشغالها.. وأعطتنى موعدًا ثانيًا.. كان كالسابق.. وفى الموعد الثالث أخبرتنى بأنها قرأت الفصل الأول فقط.
خرجت من عندها وقابلت «جمعة» فرحب بى وغمز بعينيه معاتبًا:
- المفروض أن تمُر علىّ أنا أولًا وليس العكس!
خرجنا لتناول الغداء وفى الطريق سألنى:
- هل هى معجبة؟
- لم تقرأ سوى الفصل الأول.
- لا أقصد الرواية! أقصد.. و«همهم»!.. لو دخلت مزاجها فستصل إلى المجد وبأسرع السُبل.
- اعمل معروف وارحمنى من سلاطة اللسان.
- كل الوسط يعرفها تـُدمن الشباب.. وعلى الأخص الشباب البالغين حديثًا مثلك.
- تكلم بوضوح.
وشعرت بقطة تتمسح فى ساقى.
- أنت قروى خـــام وقد تعجبها.. إنك نوع حـديث عليها.. وستعمل منيرة على فض بكارتك.. وهذا شرف لك.
- كلمة أخرى وأقطع لسانك الطويل وأرميه لهذه القطة.
ذكر: لماذا تغضب من أجلها؟
تشاغلت بالأكل.. ودفعت القطة بساقى بعيدًا.
فقال على طريقة الأنباء «التيكرز»:
- بدأت «منيرة كامل» «نقطة» مغامراتها العاطفية «نقطة» مع أحمد مسعود «نقطة» عرض عليها الزواج «نقطة» وافقت أولًا «نقطة» ثم عادت ورفضت الزواج منه «نقطة» رغم أنه أرتفع إلى منصب رئيس مجلس حكومة «نقطة» انتهى ذلك.
- لا أفهم «نقطة».. إننى أحترم هذا الكاتب «نقطة» وأعتقد أن أى بنت تتمناه زوجًا لها «نقطة» انتهى ذلك.
- لكنها ذكرت عنه «نقطة» إنه تنقصه الكفاءة الجنسية «نقطة» والمرأة لا تحيا بالكلمات المعسولة وحدها.. نقطة.. آخر السطر.
قلت له متذكرًا سعة خياله..
- لم تتغير أبدًا!
- أنا واقعى.. أما أنت يا أيها المؤلف الناشئ فسوف تظل طوال عمرك قرويًا..ساذجًا قادمًا من مجاهل الصعيد.
كرهت ضحكته.. لكنى سألته فى برود:
- هل نمت معها أنت أيضًا؟
- جئت للقاهرة وقد كانت هى امرأة مستهلكة فعلًا. وأنا لا أحب هذا النوع.. تابع فىّ ذلك؟!.
لم أعلق.. لكنى فى المساء.. فكرت طويلًا فى كلامه.. كيف تبدأ الفتاة ثباتها من الرجل الأول.. إلى الثانى إلى الآخرين.. ربما لم تجد «منيرة» الرجل الذى يملأ حياتها حبًا وجنسًا! قد يكون ذلك من تأثير عملها.. الصحافة مهنة تبحث عن الجديد كل يوم.. فهل بحثت لجسدها عن شاب لكل يوم.

حاولت النوم.. إلا أن صورتها كانت تطاردنى.. رأيتها تأخذنى فى حضنها.. تقبلنى.. تسحبنى من يدى إلى السرير.. ضاجعتها بكل تخيلاتى.. سوف تسألنى عن سر تأخرى فى إنهاء دراستى الجامعية؟ أفقت.. لو سألتنى هذا السؤال، بماذا أرد.. سوف أدعى الغموض.. وأقول:
- فتش عن الفتاة!
- أهناك امرأة وراء كثرة رسوبك!
- زوجة شابة.
- جميلة؟!
- رائعة الجمال.. كانت تسكن أمامنا.
- وزوجها!
- كان يسافر بعيدًا عن المدينة خمسة أيام فى الأسبوع.
«تعدل من جلستها وقد تيقظت حاستها الصحفية» وتسألنى:
- وأوقعتها فى سحرك؟
أتعمد الصمت.. وأمرر إصبعى فوق لحم كتفها وصدرها.. وبين نهديها، وتعاود سؤالها.. فى إلحاح.. فأجيبها:
- بل هى التى أغوتنى.. فالمعروف أن الفتاة شيطان.
- جميعهن.
> إلاك.. كنت أتسلل إليها كل مساء زاعمًا لأهلى أننى أذاكر مع زميل لى.
- هل نجحت فى إشباعها؟
- بتفوق ساحق.. لكنى رسبت فى الليسانس بنفس التفوق.
«سوف تتأكد منيرة أننى لست قرويًا خامًا.. وأنها ليست الفتاة الأولى فى حياتى».

فى صحيفة الوسط تناولت إفطارى فى مطعم صغير وقرأت الجريدة. وآخر أخبار التوتر على جبهة القناة.. ورأيت فى الصفحة الثالثة صورًا لبيوت السويس مهدمة من فعل قنابل العدو وصورة ليد طفل ممدودة تحت الأنقاض وهو راقد فوق صدر أمه.
لم أكمل إفطارى وعدت أطلب «منيرة» دون رد.. لعلها نسيت الموعد كعادتها.. امرأة مستهترة لا يهمها مشاعر الآخرين.
جلست على مقهى سطوحى فى باب الحديد لأشرب الشاى.. وأخرجت قلمى أحل الكلمات المتقاطعة.. لم أكملها.. وعندما طلبت منيرة ثانية ردّت علىّ متثائبة.. واعتذرت بأنها كانت فى الحمام وأعطتنى موعدًا فى المساء.
جلست بجوارها فى السيارة.. وقد كانت تكتسح قيادة رديئة وبصوت مبحوح سألتنى ما كنت أخشاه؟، طبعا لم أذكر حكاية «فتش عن الفتاة» وقلت فى تواضع مراوغ:
- أعترف بأننى لست نابغة.
- أكنت تقرأ كثيرًا فى كتب الأدب؟
- نعم.
- وسرق الأدب وقتك؟
- هذا ما حدث.
وطوال الطريق لم تكف هى عن سب ولعن المارة.. وسائقى العربات الأخرى «يا حيوانات».. يا سواق.. يا حمار.. احترم النظام يا ابن الغسالة!.
ثم ذكرت إن الحكومة سوف تقوم بتهجير جميع أهالى مدن القناة.. دُهشت.. كل هذه الآلاف..! سوف يرفضون أى شىء أفضل من الموت.
- المصرى يكره الغربة.. لكنه يحب صحيفة الوسط.
- ليست كل صحيفة الوسط.. حياة.
انحرفت بسيارتها فى عصبية لتركن سيارتها، ولاحظت أنا أن شرطى المرور أخرج قلمه ودفتره.. فقلت لها:
- لقد فزتى بمخالفة.
ذكرت لى مـُنبهة:
- احتفظ بآرائك لنفسك.
- سمعًا وطاعة.
- معظم هؤلاء الناس جاءوا بدافع من الإيمان الحقيقى.
- أعرف.
_ أى فلسفة أو انتقادات لرأيهم يعتبر كـُفرًا.
- اطمئنى.. لن أنطق.
- لا أريدك أن تنال درسًا قاسيًا من هؤلاء المسيحيين.
- سألتزم بحكمة القرود الثلاثة: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم.
- التزم بحكمة القردين الأولين فقط وامسك عليك لسانك.
- أمرك.
- تعال.
كانت أمامنا مجموعات كثيرة تندفع فى إِنْحِدَار واحد.. تبعناهم حتى زاد اقترابنا من شارع الكنيسة.. أول من صادفناهم باعة الترمس والسميط والتسالى.. ثم وصلنا إلى بداية الشارع الضيق فوجدنا بعض الشباب يأخذون عشرة قروش من كل فرد.. قالوا إن ذلك تبرع للفقراء، وكان الشارع كتلة هائلة من الشباب والنساء.
نظرت منيرة إلىّ يائسة.. وجدنا طابورًا يتحرك بمشقة الى الداخل.. فتبعناه.. ولاحظت أن بعض الشباب انتهزوا فرصة الزحام للعبث فى أجساد الفتيات.. فالتصقت بمنيرة وأنا أحيطها بذراعى محاولًا حمايتها قدر المستطاع.
أصبحنا أمام الكنيسة فى مواجهة القُبة.. صرنا جزءًا من الكتلة البشرية وآلاف الأعين ناظرة محملقة فى انتظار رؤية معجزة العذراء.. وذكر الرجل المجاور إن زوجته رأت الطيف بالأمس.
رمقته منيرة ببسمة ودودة، وسألته إن كان قد رأى هو أيضًا، فأنكر فى أسف رغم أن هذه ثالث مرة يأتى فيها.. فتصدت له امرأة عرفنا أنها زوجته وذكرت موضحة:
- أنا رأيتها مرتين وأنا متأكدة من ذلك.. وهو لم يرها لأنه غير مؤمن ويشرب البيرة مع أصحابه.. زوجى وأنا أعرفه جيدًا.
همس الرجل فى أذنى:
- إنها امرأة وأنت تابع الفتيات.. أومأت موافقًا.. لكن منيرة كانت قد سمعته فهمست لى:
- هل حقًا تابع؟
تجاهلت غمزتها الماكرة.. وحاولت تأمل الناس من حولى.. جاءوا من جميع أنحاء مصر.. بالقطار والأتوبيس أو المترو.. وتلاصقوا فى كتلة بشرية هائلة من دم ولحم وأحلام! ونظراتهم تحملق صوب قبة الكنيسة وصليبها وبرج الجرس.. ولم يبَـانَ الطيف بعد.
ذكرت الزوجة مؤكدة:
- رأيتها بالأمس كما تخيلتها تمامًا.. ولن أنسى هذه اليــوم طول عمرى.. ٣ مايو ١٩٦٨.. لن أنساها.. رأيتها فى صورة كاملة.. كما تخيلتها بالظبط.. وهج ربـــّانى.
سألتها منيرة:
- هل كان يبرق فى لون الفوسفور مثلًا؟
- قلت لك وهج ربّانى.. أصفر فى لون الذهب ولا يتعب العين.. تمامًا كما تخيلتها.
عدنا نحملق والبخور يعبق أرجاء الشارع.. وفوق أسطح جميع المنازل عشرات من البشر.. وكلما وهج أية ضوء صرخ الناس وزاد ابتهاجهم.. وتعالى ترتيل بعض الفتيات فى تمجيد العذراء والمسيح.
توقعت أن أصادف بعض أهالى بلدتى.. وواصلت الحملقة فى الوجوه وقد كانت صحف صحيفة الوسط نشرت صورًا مبهمة.. ضوء شاحب فوق القبة، سحابة لم يستطع حبر المطابع أن يجعلها تبدو بيضاء.. ولقاءات مع قساوسة وشيوخ البعض يوافَقَ بالظهور، والآخر يصر على أن زمن المعجزات قد ولّى.
أسفل سور الكنيسة رأيت مجموعًا من الجالسين.. معظمهم من العجائز ويبدون أن جميعهم من المرضى ينتظرون معجزة.. سحبتنى منيرة نحوهم.. ابتسمت لهم فافسحوا لها مكانًا وفى سهولة ويسّر تحادثت معهم.
ذكرت الفتاة الأولى إن الروماتيزم أمسك بساقيها منذ سنوات.. وإنها سمعت عن معجزات العذراء.. وذكرت المجاورة لها إنها بعد زواج ثمانية أعوام لم يعش لها أى طفل.. كلما أنجبت عاش الوليد أسبوعًا أو عشرة أيام على الأكثر ثم مات، وإن زوجها صار يكره البيت لعدم وجود أطفال.. وهى تظن أن إنسانًا شريرًا يكرهها عمل لها سحرًا شديدًا وهى تريد طفلًا، ولدًا أو بنتًا، مثل كل الزوجات حتى لا ينخرب بيتها.. ووعدت أن توقد شمعة كل يوم أحد فى الكنيسة المجاورة لمنزلها.
وذكر الرجل المشلول إنه سوف يشفى بإذن الله ببركة العذراء متى رآها.
وخطرت على بالى فكرة أن الإيمان بأفكار محددة يمكن أن يؤدى إلى المعجزات.
ذكر العجوز المجاور: هربت من فلسطين إلى مصر حتى لا يذبح هيرودس الحاكم طفلها المسيح.. فهل تهرب الآن من احتلال اليهود للقدس!
سرحت مع الفتاة الأولى وهى تكشف النقاب عن: كما تخيلتها دائمًا.. رأيتها فوق القبة خيال امرأة يتكون تدريجيًا.. ترتدى السواد وتتشح بالسواد وفوق خديها سيل من الدموع.
«أفقت على دفعة من يد منيرة منبهة»
- أنظر الى هذه الطيور البيضاء.
«رأيت طيورًا بيضاء تشق عنان السماء».. ذكر عجوز: سبعة!
ومع الحركة المفاجئة للجموع.. وجدنا أنفسنا بين أفراد آخرين.. والتقطت أذناى بعض أسماء لأولياء من المسلمين والمسيحيين.. مدد.. مدد.
اصطدمت عيناى بوجه أعرفه.. رأيته من قبل ولكن لا أتذكر أين! حاولت الرجوع خطوة لأتبين ملامحه وأتذكر.. غطت الفتاة وجهها بحبرتها السمراء ومضت.
هذا الوجه بدا مألوفًا لدىّ.. هل رأيته فى قريتى أم فى المستشفى أم فى فيلم أبيض وأسود!

برجاء اذا اعجبك خبر أوراق العذراء «صحيفة الوسط» تكشف النقاب عن أحدث حكاية لـ«مجيد طوبيا» قم بمشاركتة الخبر على مواقع التواصل الإجتماعي . يمكنك ايضا متابعة كافة الاخبار عن طريق فيسبوك وتويتر .

المصدر : الدستور