من حرب الخليج إلى «تنظـيم الدولة الأسـلامية».. لماذا ينتحر العراقيون في أوقات الحروب؟
من حرب الخليج إلى «تنظـيم الدولة الأسـلامية».. لماذا ينتحر العراقيون في أوقات الحروب؟

من حرب الخليج إلى «تنظـيم الدولة الأسـلامية».. لماذا ينتحر العراقيون في أوقات الحروب؟ حسبما ذكر ساسة بوست ينقل لكم موقع صحيفة الوسط محتوي خبر من حرب الخليج إلى «تنظـيم الدولة الأسـلامية».. لماذا ينتحر العراقيون في أوقات الحروب؟ .

صحيفة الوسط - قفزت معدلات الانتحار في بغداد بشكل غير مسبوق خلال آخر عامين، وسط تفسيرات متباينة تحاول الوصول إلى أسباب هذا الأمر الذي بات ظاهرة في كُل المدن العراقية باختلاف الأعمار.

ليست هذه هي المرة الأولى التي ترتفع فيها نسب الانتحار في بغداد؛ إذ شهدت زيادةًا مماثلًا وتحولت مسألة الانتحار إلى ما يُعرف بالظاهرة المخيفة في الثمانينيات، حين كانت حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988" مشتعلة، وهرب مئات الجنود العراقيين نحو الانتحار ملاذًا لهم في ظل ظروف صعبة مروا بها في هذه الفترة الزمنية.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى الدوافع التي تقف خلف زيادة معدلات الانتحار بين العراقيين في أوقات الحروب، وعلاقتها بالظروف الاقتصادية والنفسية التي يمرون بها، وما هي أضـخم الفئات التي مالت إلى الانتحار في السنوات الأخيرة.

حرب الخليج الأولى.. حين ينتحر الجندي هربًا من الموت غير المبرر!

قبل حرب الخليج الأولى، كان بغداد الواجهة المُفضلة لمئات الآلاف من العُمال العرب من المحيط إلى الخليج، يذهبون إلى بلاد الرافدين بحثًا عن وظيفة تُدر عليهم مالًا وفيرًا في البلاد التي ذاع صيتها بالبترول الوفير. كانت كُل مباهج صحيفة الوسط تدب فيها. لم يعرف العراقيون آنذاك لغة الموت، ولم تكن صفات التشاؤم والاكتئاب في قاموس المواطن العراقي؛ بل كان يعيش صحيفة الوسط في رغد وحرية محبًا للحياة، ومتشبسًا بها، متحايلًا على حُكم صدام حسين الديكتاتوري بظروف مادية جيدة.

Embed from Getty Images
تمثال لصدام حسين وسط العاصمة العراقية

لم تمض سنوات حتى بدأت علامات حرب الخليج الأولى التي دامت ثماني سنوات؛ ومعها شاعت لغة الموت، وعلا صوت الانفجارات، وبدأت حياة جديدة عرف فيها العراقيون القنابل المُفخخة، والطائفية التي تجذرت لدى قطاع كبير من السكان.

على مدار هذه السنوات، خسر بغداد باماكوًّا وعسكريًّا، وهجر مواطنوه صحيفة الوسط التي ألفوها، وبات الموت خيارًا مُفضلًا بالنسبة لبعضهم عن الانضواء جنودًا مُقاتلين في الـقوات العـراقية في حرب لا يدرون لها فائدة، أو أن يعيشوا وسط أصوات الانفجار والطائفية المتفشية، وأوضحت شهادات لعراقيين عايشوا هذه الفترة الزمنية، أن نحو مليون عراقي من الطبقتين الوسطى والفقيرة جرى تجنيدهم إجباريًّا لظروف الحرب الاضطرارية، تحايلت أعداد كبيرة منهم للهروب من الانخراط في الحرب عن طريق إيذاء أنفسهم عمدًا؛ لإعفائهم من القتال لأسباب تتعلق في المقام الأول باعتقادهم أنها حرب لا جدوى منها.

أخذ عدم قبول الجنود العراقيين بهذه الحرب مظاهر متعددة كانت تدور في فلك الخلاص من هذه صحيفة الوسط والحرب التي أدخلتهم فيها قيادتهم السياسية دون أي جدوى من ورائها، حسبما كانوا يعتقدون، ليضطر مئات منهم إلى الانتحار، وينهون حياتهم بهذه الطريقة التي لم تذهب أسوأ توقعاتهم إليها.

لم يكن هذا المسار الذي سار فيه أعداد كبيرة من الجنود العراقيين للخلاص من حياتهم، مقتصرًا عليهم فقط؛ بل امتد ليشمل الأسرى

العراقيين في المعتقلات الإيرانية للخلاص من صنوف التعذيب التي واجهوها، وأشكال الإهانات التي تعرضوا لها؛ إذ تمثلت طرق انتحار الأسرى في تمريرهم سلكًا غليظًا محمى بالنار في الصدغ، أو الموت شنقًا بالملابس الرَّثة.

سار الأمر نفسه على المواطنين المعارضين أيضًا في معتقلات النظام العراقي؛ ممن أخذوا موقفًا سياسيًّا مناهضًا لسياسات صدام حسين، ونظموا تظاهرات احتجاجية ضد الانخراط في الحرب؛ فانتهت مصائرهم في سجون النظام، والتي سعوا للخلاص منها عبر إلقاء أنفسهم على المنحدرات الصخرية في مناطق الشغل البعيدة التي يذهبون للعمل فيها تحت سيطرة السلطات العراقية.

حرب الخليج الثانية.. الانتحار الجماعي هذه المرة

تبلغ سنوات الحرب، وسعى بغداد بأموال المانحين لإعادة إعمار ما تبقى من البنايات التي تدمرت من جراء الحرب، قبل أن يدخل صدام حسين بمواطنيه في حرب جديدة، ويدفع بهم إلى الصفوف الأولى في المعركة مع الكويت في عام 1990. بثت وسائل الإعلام الحكومية أخبارًا تبشـر فيها المواطنين للتجنيد، تحت دعاوى حماية نفط بغداد الذي سرقته الكويت، وتحقق لصدام ما أراده من احتلال العاصمة الكويتية وبعض المدن المجاورة، وتنصيب حاكم حـديث موالٍ لله بديلًا لحكم آل صحيفة الوسط، قبل أن تنجح القوات الدولية من أضـخم من دولة غربية وعربية في إرغام «صدام حسين» على الانسحاب تحت أزمات قوى دولية.

Embed from Getty Images
صورة للرئيس العراقي السابق صدام حسين

لم تكن خسائر «صدام» سياسيًّا تُذكر إذا ما قورنت بخسائر المواطن العراقي الذي تعرض خلال وقت الحرب -البالغة 40 يومًا- للقصف بأكثر من 100 ألف طن من المتفجرات، بما في ذلك مئات الأطنان من ذخائر اليورانيوم المخضّب. وهو ما أدى إلى سقوط ما بين 70- 100 ألف قتيل في فريق الـقوات العـراقية، وجرح قرابة 300 ألف جندي، وأسر 30 ألفًا آخرين، وتباينت التقديرات بخـصـوص مجموع خسائر المدنيين الذين تم استعمالهم دروعًا بشرية لمنع قوات التحالف من قصف المواقع العسكرية العراقية.

امتدت آثار الحصار لتشمل كذلك هـبـوط الناتج المالي الإجمالي في بغداد إلى ما لا يزيد على ثلث المستوى الذي بلغه قبل عام 1991، وتدمير البنى التحتية الاقتصادية والصناعية للعراق بواسطة القصف الأمريكي البريطاني المستمر حتى بعد انتهاء الحرب، وموت أضـخم من مليون طفل عراقي دون سن الخامسة نتيجة سوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية.

كرست كُل هذه الآثار دافع الانتحار لآلاف الناجين ممن فقدوا ذويهم، وساءت ظروفهم المالية؛ فمثل لهم الانتحار خيارًا مُفضلًا للخلاص من مشاكلهم النفسية والاجتماعية والمالية، فضلًا عن شعور بالذنب تجاه عائلاتهم كبيرة العدد، بعدما أطلقت الحكومة برنامجًا لتشجيع الإنجاب بمعدلات مرتفعة، محاولة من صدام حسين للتحايل على تعرض آلاف من مواطنيه للموت من جراء الحرب.

على خلاف حالات الانتحار الفردي في حرب الخليج الأولى للجنود العراقيين أو ممن وقعوا أسرى في أيدي السلطات الإيرانية؛ كان الوضع أضـخم مأساوية في حرب الخليج الثانية بعدما أخذت تلك الحالة شكل الظاهرة في عائلات عراقية، كأن يقدم رب العائلة على قتل أفراد أسرته خنقًا بالغاز، أو حرقًا، أو ذبحًا ليمثل ذلك رد فعل قاسٍ على الجوع، وانعدام القدرة الاقتصادية، وانسداد الأفق.

وفقًا لمقال منشور للشاعر العراقي صفاء خلف بموقع «جدلية»، يناقش فيه دوافع الانتحار لدى العراقيين في أوقات الحروب: «الانتحار في بغداد تأسس نتيجة سوء حكومة الدولة للمجتمع. فالمجتمع العراقي في حقيقته، مجتمع مركزي/ بنيوي تديره الدولة أو السلطة أو النظام أيًا كانت العقيدة أو الفلسفة، فهو يرَوَّضَ -أي المجتمع- إلى التأثيرات المباشرة، ويتحرك ضمن الإطار الذي تحدده البُنى الحاكمة، وإذا ما انعدم هذا الإطار يتحول إلى شركة بشرية هشة تشتبك يوميًّا مع المؤثرات المحلية أو الوافدة، وتفرز صيغًا مريعة تعمل على استكمال الهدم».

«تنظـيم الدولة الأسـلامية» يدفع جيل الألفية الجديدة للانتحار.. السنى والشيعى سواء

لم تنقطع ظاهرة الانتحار بعد حرب الخليج الثانية؛ بل واصلت التوسع، حتى وصلت إلى أجيال جديدة، من أوساط دينية مختلفة، ممن لم تتجاوز أعمارهم العشرين عامًا في السنوات الأخيرة التي خضعت فيها مناطق واسعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (تنظـيم الدولة الأسـلامية).

Embed from Getty Images
صورة لأحد شوارع العاصمة العراقية

كان الشاب العراقي جواد، المنتمي إلى وسط مدينة الشعلة الواقعة غربي بغداد، أحد هؤلاء، الذين اضطرتهم ظروف الفقر والحاجة للخلاص من صحيفة الوسط بعد صعوبات كُبرى حالت دون عثورهم على فرصة عمل يكفُلون بها حياتهم. أتم جواد دراسته الجامعية مهندس حاسبات، قبل أن يضطر للعمل في مهن بعيدة عن مجال تخصصه مثل بائع متجول على الأرصفة، وسائق سيارة أجرة، ومندوب مبيعات في شركة لبيع الحليب والعصائر، بعد فشله في اِلْتِقَاط على وظيفة في نطاق تخصصه، حتى انتهى به الحال بعد جلسة جمعته بأصدقائه، بشنق نفسه بحبل تدلى من المروحة السقفية في غرفته الصغيرة.

امتدت ظاهرة الانتحار في بغداد مؤخرًا إلى الفتيات؛ إذ أدت الظروف الاقتصادية الصعبة، والعنف الديني إلى تبدل نظرة المجتمع العراقي لعلاقات الزواج القائمة على الحب؛ فأصبح يرى هذه العلاقات «حرام شرعًا». أخذت بعد ذلك هذه النظرة طابعًا قبليًّا بين القبائل العراقية بمنع زواج الفتاة من الشاب الذي أحبته، وإجبارها على الزواج من أحد المقربين منها، فضلًا عن إجبارها على ترك الدراسة خشية اختلاط الفتاة مع الذكور والوقوع في علاقة غرامية، أو بسبب عنف الزوج أو الإخوة، وهي الدوافع الأساسية لأغلب حالات الانتحارات بين الفتيات.

ويُشير تقرير «القتال أو الهرب. .محنة ويأس جيل 2000 في مواجهة الحرب»، الصادر من المجموعة الدولية للأزمات أن هذا الجيل يجد نفسه محرومًا بالمطلق من حق صحيفة الوسط مع انهيار التعليم وتخلف التربية الأسرية. وربط التقرير دوافع الانتحار في السنوات الأخيرة بآثار ما فعله تنظيم «تنظـيم الدولة الأسـلامية» بالمدن العراقية.

وتمثلت آثار وجود تنظـيم الدولة الأسـلامية في بغداد في مـصرع نحو ألف مدني عراقي، شكل الأطفال والنساء أضـخم من 50 في المائة منهم، ومصرع أضـخم من 24 ألف شاب أمن وعنصر في الـقوات العـراقية، واضطرار نحو 6 ملايين نسمة للجوء خارج بغداد، تركزوا في بغداد وكردستان، والأردن وتركيا ولبنان، وارتفاع مجموع الأرامل والأيتام لأكثر من 40 في المائة، وبلوغ نسبة الفقر درجة قياسية غير مسبوقة، بواقع 35 في المائة، والبطالة 31 في المائة، والجريمة المنظمة بواقع 50 في المائة. وحرم نحو 3 ملايين مواطن من التعليم خلال السنوات الثلاث الماضية.

كانت كُل هذه الآثار السابقة كفيلة باضطرار آلاف إلى الانتحار؛ إذ باتت النظرة العدمية هي المسيطرة على القطاع الأكبر من المواطنين العراقيين الذين فقدوا ذويهم، وباتت احتمالات حصولهم على فرصة عمل منعدمة، فضلًا عن أنماط صحيفة الوسط الاضطرارية التي حددتها «تنظـيم الدولة الأسـلامية» لسكان المدن التي كانت خاضعة لسيطرتها.

وتُشير شهادات متنوعة إلى أن حالات الانتحار ليست مرتبطة بمذهب أو ديانة بعينها، بل هي ظاهرة تتوزع على محافظات سنية وشيعية دون تصنيف يستثنى فئة عن فئة داخل الحالات، وتكثُر في الخمس سنوات الأخيرة، بين الأوساط الشبابية ممن تنخفض أعمارهم عن 30 عامًا، إذ كان أغلب المنتحرين في عام 2017 من هذا الجيل.

وحسب برنامج «الدراسة العراقية الوطنية عن الانتحار» الذي حدد نسبة قياس الظاهرة بين عامي "2015– 2016"، استنادًا إلى معلومـات مراكز الشرطة التابعة لوزارة الداخلية في 13 محافظة عراقية (باستثناء محافظات كردستان ومحافظتي نينوى والأنبار)، والتي أفادت بوقوع 290 حالة في عام 2015، و357 حالة في عام 2016 بتفصيل جندري 55,9 في المائة ذكور و44,1 في المائة إناث، مشيرة إلى أن نسب الانتحار الأعلى كانت في بغداد والبصرة.

كما حذرت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية من «ازدياد حالات الانتحار بين فريق الشباب والشابات في مختلف أنحاء بغداد بشكل مخيف ومقلق ولافت للنظر»، مطالبة الحكومة بـ«عدم الاكتفاء بدور المتفرج، والإسراع في إقرار قانون العنف الأسري، وإجراء مسح شامل لمعالجة هذه الظاهرة».

ووفقًا لتفسير الباحث في علم الاجتماع، محمد عبد الحسن لجريدة «صحيفة الوسط»، فإن «العوز والفقر وتهميش الفتاة تعدّ من المشكلات التي أدت إلى زيادة أعداد المنتحرين في «ذي قار» (إحدي المحافظات العراقية)، وأن التقاليد كثيرًا ما تدفع الفتاة في المجتمعات المغلقة إلى الانتحار». لا توجد علامات على تَأَخَّر حالات الانتحار في بغداد؛ إذ لا زالت بلاد الرافدين تعيش وسط أكوام من العقابات تخنق مواطنيها، ويحاصرها عنف طائفي أخذ أشكالًا لم يشهدها المجتمع العراقي من قبل، فضلًا عن عدم إيلاء الحكومة بتصميم برامج لمعالجة ظاهرة الانتحار المتنامية، أو النظر إلى هذه القضية باهتمام كافٍ، ولجوئها بدلًا من ذلك إلى التكتم حول الأعداد الرسمية لحالات الانتحار، والتعامل مع القضية وكأنها قضية أمن قومي، غير مسموح لأحد بالاقتراب منها.

برجاء اذا اعجبك خبر من حرب الخليج إلى «تنظـيم الدولة الأسـلامية».. لماذا ينتحر العراقيون في أوقات الحروب؟ قم بمشاركتة الخبر على مواقع التواصل الإجتماعي . يمكنك ايضا متابعة كافة الاخبار عن طريق فيسبوك وتويتر .

المصدر : ساسة بوست