قراءة لأحداث غوطة دمشق الشرقية في ضوء نظرية النظم اللاخطية
قراءة لأحداث غوطة دمشق الشرقية في ضوء نظرية النظم اللاخطية

قراءة لأحداث غوطة دمشق الشرقية في ضوء نظرية النظم اللاخطية حسبما ذكر ساسة بوست ينقل لكم موقع صحيفة الوسط محتوي خبر قراءة لأحداث غوطة دمشق الشرقية في ضوء نظرية النظم اللاخطية .

صحيفة الوسط - شهدت غوطة دمشق الشرقية في الأيام الأخيرة حالة من الفوضى ناتجة عن ازدياد الضغط العسكري والسياسي عليها من المحيط، وهذا يتمثل باشتداد القصف عليها من قبل قوات النظام السوري وحلفائه برًا وجوًا، مما أنتج تفوقًا عسكريًا للقوات النظامية ستمكنه خلال الأيام القادمة من فرض سيطرته عليها بالكامل، ودفع ببعض الشخصيات المحسوبة على الثورة إلى تسوية وضعها مع النظام، فيما اضطرت عائلات عديدة للخروج من المعابر التي فتحتها قوات النظام إلى العاصمة دمشق، قبل البعض بالهجرة شمالًا قهرًا.

الأمر الذي يجعل غوطة دمشق الشرقية أمام خيارات بدأت بعضها بالتنفيذ كخيار التهجير الذي أصر الثوار على استثنائه من حساباتهم سابقًا، وقد صحيفة الوسط أن طُبق التهجير على مناطق الريف الدمشقي التي ثارت على النظام السوري ومن ثم تمكنت القوات النظامية من إعادة التَحَكُّم عليها.

وبقيت الخيارات المتاحة أمام ما تبقى من الغوطة: الترحيل إلى الشمال السوري كما حدث بالريف الغربي وحمص، أو الدخول فيما يسميه النظام السوري المصالحة الوطنية، أو البقاء والمقاومة حتى الرمق الأخير، وهذا يضع الغوطة أمام احتمال الإبادة الجماعية على طريق مجزرة حماة الشهيرة في ثمانينيات القرن السابق، أو احتمالية ابتداع طرق جديدة للموت على يد النظام السوري.

لكل خيار من هذه الخيارات نتائجه ومآلاته.

ما هي نظرية المنظومة اللاخطية؟

المنظومة اللاخطية بشكل مبسط هي نظرية اجتماعية سياسية، تحلل الواقع وترسم خططًا للمستقبل دون القدرة على التنبؤ الدقيق للحدث المستقبلي.

ويقوم محورها على أن التفاعلات الناتجة من علاقة مكونات وَاقِعة ما لا تتناسب مع مخرجاته، فالمدخلات لا تتناسب مع المخرجات، ولا يمكن التنبؤ بالنتائج؛ كما تعتبر هذه النظرية أن الحادثة تكون حساسة بشكل مفرط لأي تغير ضَئِيل في المبدأ الأولي للحادثة وفي التداخلات الخارجية مهما كانت قليلة.

من سمات النتائج بحسب النظرية: التعقيد والغموض وعدم اليقينية، فالمستقبل واسع الاحتمالات، وكل احتمال يضـع إلى حالة من الاستقرار الآني الوهمي وبعدها ينطلق بتفرعات جديدة، وكل فعل حـديث في الحادثة لا يتسم بالقطعية فإنه سيكون سببًا في توليد المزيد من الفوضى، والمزيد من الاحتمالات البالغة التعقيد والتشابكات.

النتائج الكبيرة بعد أي حالة تفرع واستقرار، هي بمثابة تحصيل حاصل وهذا ما يسمى في المنظومة اللاخطية بأثر الفراشة، يمكن تبسيطه بالمقولة (وفي الخواتيم يتم المفتتح).

وتعتبر المنظومة اللاخطية أن أي تغير ضَئِيل في المبدأ أو التأثيرات من شأنه إحداث تغيير هائل في سير الأنباء والنتائج، وغالبًا ما تكون غير متوقعة وغير مدرجة في الحسابات.

فعلى بالرغم من العفوية التي تسود المجتمع في حالة أي فوضى إلا أن التشابكات والتقاطعات التي تولدها التداخلات الخارجية والهشاشة في الاستقرار والأمن الوطني، تجعل الربط بين الوضع الآني والمستقبلي غير ممكن.

وتعد الحالة السورية خير مثال يمكن أن تدرس فيه النظرية اللاخطية، وأيضًا نظرًا لبساطة المبدأ الأولي لها وتعقد النتائج الكبيرة لذلك المبدأ.

اللاخطية في الواقع السوري

بدأت الأزمة السورية من مطلب شعبي بسيط، ويعتبر حقًا شرعيًا في بقية دول العالم، وهو صحيفة الوسط الإنسانية الكريمة ومن ثم تطور الوضع لينفجر الوضع الأمني في سوريا، وتداعى الاستقرار السياسي وبالتالي انهار الأمن القومي.

فالمبدأ الأولي للحراك المجتمعي السوري أدى إلى نتيجة فاقت المستوى المحلي حيث أصبحت الأزمة السورية مشكلة إقليمية دولية.

وهذا أول خط للثورة السورية ضمن المنظومة اللاخطية، حيث أفضى المطلب الشعبي إلى تدخل دولي، فكانت النتائج غير متوقعة أو إنها أكبر بكثير من التوقعات.

ابتداع المعارضة الداخلية من قبل نظام الأسد في مواجهة معارضة الخارج، كان فعلًا غيًّر من المعادلة (وفقًا لمبدأ الحساسية المفرطة التي تهيمن على الحدث ونتائجه جراء أي تدخل ضَئِيل).

فباتت معارضة الداخل في مواجهة معارضة الخارج ضمن الميزان الدولي، مما ضعّف التمثيل السياسي للثوار، ومما زاد في سوء الأمور تمرسُ معارضة الداخل بالسياسية مقارنة بمعارضي الخارج لو صح التعبير، حيث إن معارضي الخارج كان جلهم بحاثين في مجال الطب ومهندسين ورجال أعمال ودين، احترفوا السياسية بالممارسة في الوقت الذي تلقى فيه معارضو الداخل وعلى رأسهم حسن عبد العظيم المعارض القديم للأسد، تمرينات دبلوماسية ومساندة سياسية دولية.

ضرورة التمثيل السياسي للثورة، وضرورة إيجاد توازن بين كفتي ميزان المعارضة السياسية الداخلية والخارجية، أبدع المجلس الوطني الذي لم يصمد طويلًا ومن ثم الائتلاف السوري الذي بدوره تشظى، وما نتج عنه من وفود تفاوض، وبعده الحكومة السورية المؤقتة (بكل تفرعاتها) التي ولدت هشة.

فكل مرحلة أفضت إلى استقرار وهمي ومن ثم حالة تشظٍّ جديدة وهكذا، وكل استقرار وهمي وما يعقبه من حالة تشظٍّ، كان ينعكس بدوره على الداخل الذي باتت فيه الحالة العسكرية ليس سوى تمثيل عسكري داخلي للمعارضة السياسية الخارجية.

ازدياد وتيرة التشظي في الداخل والخارج السوري، كان ينبئ منذ 2014 بشكل واضح، بكارثة قض أركان الثورة، ومن ثم تلاشي الحركة الثورية بشكلها الحالي، لكن ليس بالضرورة أن يضـع هذا الوضع إلى تلاشي الفكرة الثورية الذي من المحتمل أن تنفجر في أي وقت.

احتمالات الغوطة وتداعياتها وفق المنظومة اللاخطية

بدأت قوافل من الغوطة الشرقية بالخروج منها باتجاه الشمال السوري، (بؤرة الضغط الداخلي التي من المحتمل أن تنفجر أو تذوب)

بالرغم من كمية الأسلحة الثقيلة والخفيفة المتواجدة في غوطة دمشق الشرقية، علاوة على تواجد قادة عسكريين تمكنوا من انتزاع الغوطة من أيدي قوات النظام السوري لـست سنوات وفرض نوع من الاستقرار (الوهمي أو الآني فيها)، إلا أن النهاية لم تكن ضمن حسبان الأهالي (العامة) الذين طالما أطلقوا صرخات ورسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنهم باقون، ولن يغادروا غوطتهم.

في الوقت الذي خرجت به قوافل من الجنوب الدمشقي نحو الشمال كانت هناك المصالحات الفردية والضمانات على مستوى الأشخاص ذوي الرمزية الثورية سارية على قدم وساق بشكل شبه علني عبر ممثلي النظام السوري.

عندما انكسرت قدرة الجيش العربي السوري، بالرغم من كثرة الدعم المادي والعسكري والبشري دوليًا، على أسوار الغوطة طوال ست سنوات؛ ولم يكن حينها مجالٌ للمقارنة بين القوتين المتصارعتين على الأرض (الفصائل المقاتلة حديثة الخبرة العسكرية والمحاصرة ضمن بقعة جغرافية 110 كم2، وجيش دولة منظم ومدرب ومدعوم دوليًا)، أدرك النظام أن قوته العسكرية لن تنتصر التصميم على الحرية، ربما استفاد من أبحاث الحرية بين الشعوب والمستعمر، فعمد إلى القوة الناعمة لكسر الصمود، وتحطيم فكرة (مبدأ الثورة ومنطلقها)، إضافة لإسقاط رموز ثورية في مستنقع الولاءات.

فحين انهزمت القوة العسكرية للجيش السوري، وخسر آلاف الجنود من الطائفة الموالية له، عمد إلى الإغراءات المادية، ووسائل التواصل الاجتماعي، الحرب النفسية في مقارنة الوضع قبل وأثناء الثورة، ربط الرموز الثورية برهانات خارجية عبر الدول القوية الداعمة له في المحافل الدولية، فانهار المفهوم الثوري لدى القاعدة الشعبية العامة، بينما بقيت الجذوة خافتة لدى الحاملين للقيم الإنسانية.

فلم يكن اكتساح الغوطة عسكريًا والعمل على إفراغها من ثوارها والقاعدة الشعبية الثورية التي صمدت لست سنوات، سوى أثر الفراشة في سعي النظام لإنهاء حالة العصيان.

انهيار الصورة النقية للثورة بانهيار رمزية الثوار الكبار أثر كثيرًا في قدرة الأهالي على الصمود، علمًا أن المعاناة ليست بالجديدة على الأهالي الذين صدموا بقسوة الحرب وصمدوا أمامها للمـرة الأولي في بداية الثورة.

خرجت صور صادمة تدمي القلب من الغوطة للأهالي الذين هتفوا ضد النظام وناشدوا العالم كي يساعدوهم ليبقوا في الغوطة، ظهرت صورهم وهم يخرجون عبر الممرات التي فُتحت من قبل النظام هاتفين له.

فالغوطة بدت أمام مفترق المصالحات، إما الخروج نحو إدلب أو الولاء المباشر أو غير المباشر للدولة السورية متمثلة في النظام والبقاء دون سلاح في الغوطة.

حالة الاستقرار الآني التي نعمت بها الغوطة الشرقية ست سنوات انهارت، وبدأت المنظومة التي كانت مستقرة وتشهد حالات  تهدد الأمن العام؛ بالتفرع والتشظي لتكّون بيئة مضطربة مفتوحة على احتمالات كثيرة، وكل احتمال يحمل فترة من الاستقرار الآني (ممكن أن تكون بمثابة أخذ النفس) وبعدها يعقبها حالة من التشظي الجديدة.

فحالة إفراغ الغوطة من (المسلحين) سيكون له احتمالات عدة:

– تهجير السكان نحو الشمال.

– السماح – لمن يود – بالخروج إلى مناطق سيطرة النظام.

– السماح لمن يرغب بالبقاء ضمن شروط الطاعة للنظام السوري.

– خطط مستقبلية للتغيير الديموغرافي سواءً عرقيًا أو طائفيًا أو بشريًا لضمان الولاء.

– الإبادة لمن رفض كل الاحتمالات السابقة وأصر على القتال، وسيكون هناك احتملات مختلفة لشكل الإبادة المتوقع.

لهذه الاحتمالات الخمس عشر تفرعات مبدئية، ولكل تفرع هناك آثار على سوريا بغض النظر عن انشقاق الولاء أو المعارضة للنظام، ولا وسيلة ممكنة لخفض مستوى الاحتقان والترويع في كل احتمال.

في حال تم تهجير السكان نحو الشمال وهذا ما يحدث الآن فإن: الشمال السوري سيعاني بشكل حـديث وبشكل أقوى من مشاكل اجتماعية، وخدمية، واقتصادية، وسوء الإدارة، إضافة للحالة العسكرية المتجلية بالاقتتال الفصائلي من جهة والقصف الروسي المستهدف بصورة مباشرة الفصائل المسيطرة على الشمال (فلول القاعدة ووجوهها الجديدة) من جهة ثانية، كما أننا لا ننسى التدخلات الدولية (الأمريكية والروسية والتركية) الواضحة في الشمال، كما أن للشمال السوري مشكلته الكبرى التي تهدد ديمومة استقراراه أساسًا والمتمثلة بالكانتون الكردي، والصراع الدولي حول جدلية وجود هذا الكانتون.

الوضع آيل إلى الانفجار، تفجير غير معروف الاتجاهات والنتائج، حيث إن الفصائل المتطرفة من نصرة وجند الأقصى وتنظيم الدولة تتواجد بقوة ولها جيوب لا تكاد تنتهي في مكان حتى تظهر في مكان آخر.

السماح لمن يود بالخروج باتجاه مناطق سيطرة النظام: هذه المناطق التي تعاني من عدم استقرار متعمد من قبل النظام، الذي ترك هذا الأمر للأهالي وتحت إشرافه.

المشكلة الكبرى في هذه المناطق تكمن في توفير أسس صحيفة الوسط اليومية، غالبية السكان يعانون من البطالة، لعدم توافر الشغل أو لفقدان المعيل أو بسبب إعاقات الحرب؛ مشكلة السكن من منازل فارغة وتثبيت الملكية بعد احتراق الوثائق أو إخفائها من المشكلات التي تسببت في بعض الأحيان بحالات قتل متعمد ومنظم.

خطط مستقبلية لتغير ديموغرافي سواءً عرقيًا أو طائفيًا أو بشريًا لضمان الولاء: لن يترك النظام المكونَ الاجتماعي للمناطق التي قاتلته لسنوات على حالها، فهم وإن كانوا قد استسلموا لشروطه، إلا أن هناك جروحًا عميقةً بين الطرفين، وبالنسبة له فهم يهددون أمنه الوطني والقومي، كما أنه بالنسبة لهم قاتل ومستبد طاعته حالة مرحلية، على الأقل لقلة منهم ما تزال تحمل فكر الثورة، فخير وسيلة بالنسبة للنظام تسهيل إجراءات تجنيس مرتزقة له داخل سوريا على طريق ما فعل في دير الزور مع المرتزقة الأفغان.

لكن طوق العاصمة دمشق سيكون من نصيب أصدقاء النظام الإيرانيين الذين قدموا الكثير ماديًا وبشريًا وهم يطالبونه بالمقابل.

فبحسب شهادات الأهالي كان مجموع سكان الغوطة الشرقية بين مليون ونصف ومليوني نسمة عندما سيطر الثوار عليها أواخر 2012، بينما لم يتبق منهم بعد التهجير القائم سوى ما يقارب 500 ألف نسمة، منهم من هجر ومنهم من خرج طواعية ومنهم من استشهد.

الإبادة لمن رفض كل الاحتمالات السابقة وأصر على القتال، وسيكون هناك احتمالات مختلفة لشكل الإبادة المتوقع: بعد إفراغ الغوطة إما بالتهجير أو بالولاء الحقيقي والمصطنع فإن حالة استقرار وهمي ناتجة عن خيبة الأمل وقلة ما في اليد ستعم المناطق التي عادت لسيطرة النظام، لكن ما يلبث الوضع بالانفجار بشكل حـديث، هذا الانفجار سيكون نتيجة:

1- للمارسات المستبدة من قبل النظام الساعية للسيطرة على أراضي وممتلكات المهجرين.

2- للمضايقات الأمنية السرية البعيدة عن الشاشات والإعلام.

3- مصير المعتقلين المجهول.

4- دخول مكونات اجتماعية للمجتمع السوري غير متجانسة معه نهائيًّا.

5- الانفلات الأمني.

6- جيوب المقاومة التي باتت ضعيفة لكنها قابلة للاشتعال.

كل هذا سيؤدي إلى اشتعال الوضع من حـديث على شكل ما، لكن النظام الذي قتل منذ ثمانينيات القرن السابق وحتى 2018 آلاف السوريين وغيّب الآلاف وتسبب في إعاقة المئات، لن يقف مكتوف الأيدي.

فالمسرح واسع على احتمالية الإبادة الصامتة على طريق حماة، أو القتل خنقًا كما فعل في الغوطتين صيف 2013، أو ربما يبتدع شكلًا حـديثًا للإبادة لا سيما أن عرّابه سيكون الحليف الروسي الذي تمكن من انتزاع امتيازات كبيرة من النظام السوري الحالي، وهذا العرّاب له تاريخ دموي طويل في سفك الدماء والسيطرة والتهجير للتغيير الديموغرافي.

خلاصة

عندما انكسرت القبضة الحديدية للنظام السوري أمام صيحات الحرية والكرامة، بدأت الخيوط في المشهد السوري تتشابك بشكل خفي، مما أثر على قرار الشعب السوري بكل مكوناته، وجعل الجغرافية السورية أشبه بمطار دولي لأطماع ومخططات دولية وإقليمة، الخاسر الأكبر فيه الشعب السوري، الذي لم يتمكن من التوحد تحت مظلة الدولة السورية من خمسينيات القرن السابق.

فالأزمة السورية ما إن بدأت حتى غاصت في حرب لا نهاية لها، نتيجة التداخلات الكبيرة الداخلية والخارجية، التي أثرت بشكل جلي وواضح في كل مجريات الأزمة السورية.

برجاء اذا اعجبك خبر قراءة لأحداث غوطة دمشق الشرقية في ضوء نظرية النظم اللاخطية قم بمشاركتة الخبر على مواقع التواصل الإجتماعي . يمكنك ايضا متابعة كافة الاخبار عن طريق فيسبوك وتويتر .

المصدر : ساسة بوست