حذّر أطباء ومختصون في مجالات الطب والتغذية والصحة النفسية من التداعيات الصحية والنفسية الخطيرة لما بات يُعرف بـ«الرفاه الزائد»، مؤكدين أن أنماط الحياة الحديثة القائمة على قلة الحركة، والإفراط في تناول الطعام، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا، والعزلة الاجتماعية، أسهمت في تغيير جذري بخريطة الأمراض الشائعة داخل المجتمعات.

وأوضح المختصون أن الانتقال من أنماط الحياة النشطة إلى نمط الحياة الخامل أدى إلى تحوّل العبء الصحي من الأمراض المعدية إلى الأمراض المزمنة غير السارية، مثل السمنة، والسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، واضطرابات الدهون، والكبد الدهني، إضافة إلى اضطرابات نفسية متزايدة تشمل الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم والشعور بالفراغ الداخلي.

وأشار الأطباء إلى أن هذه الأمراض لم تعد مقتصرة على كبار السن، بل باتت تظهر بشكل مقلق بين الفئات العمرية الصغيرة، وهو ما يعكس الأثر التراكمي لنمط الحياة الخامل الممتد منذ الطفولة والمراهقة، في ظل الجلوس الطويل، وقلة النشاط البدني، وسهولة الحصول على الأغذية عالية السعرات الحرارية.

وأكدت أخصائية طب الأسرة، الدكتورة رحاب يوسف السعدي، أن قلة الحركة ترتبط مباشرة بضعف الكتلة العضلية، وهشاشة العظام، وآلام المفاصل والظهر، فضلاً عن ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون وزيادة خطر الإصابة بالجلطات القلبية والدماغية، مشيرة إلى أن السكري من النوع الثاني بات مرضاً سلوكياً في المقام الأول، يمكن تأخيره أو الوقاية منه عبر تعديل نمط الحياة.

من جانبها، أوضحت أخصائية التغذية العلاجية رنيم جرجاوي أن وفرة الطعام لا تعني بالضرورة تغذية صحية، لافتة إلى أن الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة والمشروبات السكرية أسهم في انتشار السمنة ومقاومة الإنسولين واضطرابات الأكل غير الظاهرة، وعلى رأسها «الأكل العاطفي».

أما استشاري الطب النفسي، الدكتورة أمل عطوة، فأكدت أن السعي المستمر نحو الراحة وتقليل الجهد لم يحقق الطمأنينة النفسية المنشودة، بل رافقه ارتفاع في معدلات الاكتئاب والقلق والإدمان الرقمي، موضحة أن فقدان المعنى وتحمل المسؤولية يُعد من أبرز أسباب «الاكتئاب الصامت» لدى الأجيال الجديدة.

وشدد المختصون على أن الحل لا يكمن في رفض الرفاه، بل في استعادة التوازن بين الراحة والنشاط، وتعزيز الحركة البدنية، وتنظيم استخدام التكنولوجيا، وبناء علاقات إنسانية عميقة تدعم الصحة الجسدية والنفسية على حد سواء.